الرئيسية بين أخطار (البطان) والكبد الوبائي !!

بين أخطار (البطان) والكبد الوبائي !!

بعيداً عن ساس يسوس، وعن الاقتصاد الذي فَرَت و(هردت) أزماته أكبادنا، أود أن أتعرض لإحدى قضايانا الاجتماعية، وأرجو أن يعذرني القراء الكرام ممن يسلقوني بألسنة حداد عندما أهرب من السياسة وبلاويها إلى القضايا الأخرى.

يعلم الناس أن (البطان) عادة سودانية قديمة لا تزال، رغم انحسارها النسبي، تنتشر في بعض ولايات السودان خاصة نهر النيل والشمالية، وبالرغم من وجود جانب قيمي إيجابي يتمثل في أنها تعكس أقصى درجات التحابب والود بين العريس وأهله وأصدقائه ممن يبلغ بهم التفاعل مع فرحه درجة تعذيب أنفسهم تضحية وبذل الدم الغالي تعبيراً عن عمق مودتهم وسعادتهم لسعادته، إلا أن الأمر ما عاد كما كان، فقد أطلت على المشهد متغيرات حضارية تحتم القضاء على هذه العادة المركوزة منذ القدم في بعض المجتمعات السودانية والتي تذكرني بالشلوخ كعادة أخرى تخضع خلالها النساء وهن طفلات صغيرات، لتعذيب جسدي من نوع آخر لا يقل قسوة وإيلاماً.

لستُ في معرض البحث عن جذور هذه العادة، وما إذا كان لها أصل في الثقافات العربية أو الأفريقية بالرغم من أني وقعت على بعض الفيديوهات التي تشير إلى أن لتلك العادة وجوداً لدى بعض القبائل الأثيوبية، أما الشلوخ فهي بالقطع عادة أصيلة في كثير من الدول الأفريقية.

بالطبع فإن دواعي بقاء الشلوخ أضعف بكثير من مبررات استمرار عادة البطان التي تنطوي كذلك على درجة من الشجاعة يبديها الخاضعون للبطان أمام النساء اللائي يقام المشهد الاحتفالي في وجودهن.

المستجد في أمر البطان أنه بات يشكل خطراً داهماً على الصحة كشف عنه أحد اكبر علماء الطب في السودان (بروف سليمان صالح فضيل) أستاذ الطب بجامعة الخرطوم، وفي بعض الجامعات الأوربية ومدير مستشفى فضيل، فقد قال عالمنا الكبير إن التهاب الكبد الوبائي (ب) والذي قد يؤدي إلى تليف وتشمع وسرطان الكبد ينتقل بالدم من خلال سوط البطان وكذلك من خلال الشلوخ.

بروف فضيل دق ناقوس الخطر خلال حواره مع وزير الصحة بالخرطوم بروف مامون حميدة في برنامج صحتك بتلفزيون السودان، حيث أشار إلى أن فيروس التهاب الكبد الوبائي (ب) موجود في السودان بنسبة تصل الى (6%) وأن تشخيصه غالي الثمن وأن أطباء العالم لم يكتشفوا حتى الآن عقاراً شافياً للفيروس (ب)، الأمر الذي يؤكد خطورة المرض ولزوم التصدي له ومكافحة مسبباته.

ما قصدت بهذا المقال إلا تنبيه أهلي في ولاية نهر النيل خاصة، حيث ينتشر البطان فيها أكثر من غيرها، بأن يكفوا عن هذه العادة التي دهشت ذات مساء حين شاهدت الشباب يتدافعون للبطان في مناسبة شبه رسمية أقيمت في قلب الخرطوم، ودهشت أكثر حين رأيت الدماء تتطاير من ظهورهم.

لطالما حدثنا أهلنا عن شباب قضوا الشهور الطوال وهم يعانون من آثار (السيطان) التي ألهبت ظهورهم وأقعدتهم عن العمل والحركة، وأعجب كيف يجوز للعريس أن يمارس تلك القسوة على من يجاملونه ويشاركونه فرحه الكبير؟!

في المقابل، رأيت قبل نحو شهر في فيديو متداول في قروبات الواتساب أحد الظرفاء المتحضرين يمسك بالسوط ويرفع يده عالية وينزل السوط برفق (برداً وسلاماً) على الظهر العاري للشاب بدون أن يصيبه بأي أذى .

بروف فضيل لم يستثنِ من مسببات نقل العدوى بذلك المرض الوبائي اللعين حتى (قد) الأذن وإصابات الملاعب في (الدافوري) وبالطبع هناك جروح الحلاقة وغيرها.

إني لأرجو من أهلنا في الولايتين الشماليتين أن يحاربوا عادة البطان وأن يتنادوا إلى نشر إفادة بروف فضيل حول أخطار البطان في قروباتهم، وذلك حتى يتوقف الناس عن التسبب في نشر هذا المرض الوبائي اللعين، سيما وأن البطان قد يتسبب في نقل أمراض معدية أخرى من خلال الدم مثل الإيدز، ونحمد الله أن الشلوخ قد اندثرت في السودان بفضل التعليم، وما عاد الشعراء يتغزلون بالمشلخات ولا أزال أذكر كيف كان الناس يهيمون حباً ووجداً في الشلوخ العريضات والعميقات، بقولهم: (شلوخها تبيت الدمعة للصباح) .

تلك أيام قد خلت، فهل يحدث للبطان ما حدث للشلوخ من انحسار وموت زؤام؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.