الرئيسية حالات وفيات وطفح جلدي والتهابات بسبب مخلفات مصانع الباقير (1-2)

حالات وفيات وطفح جلدي والتهابات بسبب مخلفات مصانع الباقير (1-2)

لسنوات طويلة ظل مواطنو منطقة الباقير التابعة لمحلية الكاملين يشكون مر الشكوى من مخلفات المصانع التي أقلقت مضاجعهم بعد تفاقم الأوضاع وازدياد عدد حالات الوفيات والإجهاضات وسط النساء بسبب تلك الغازات الضارة التي تنبعث من المصانع بالمنطقة. وتعد منطقة الباقير من المناطق الصناعية الكبرى التي يوجد بها العديد من المصانع المختلفة، إلا أن هذه المصانع لا تعمل وفقاً للمعايير المطلوبة من حيث التخلص من مخلفاتها وأبخرتها التي تتصاعد مسببة تلوثاً ترك آثاراً سالبة على سكان المنطقة، وخلف أضراراً صحية بالغة جراء الدخان الكثيف الذي ينبعث من أفران الرصاص البلدية التي تقوم بتفريغ جميع محتوياتها البطارية ويتم حرقها في العراء، مما أثر على صحة الإنسان والحيوان، علماً بأن الدخان الكثيف الذي يخرج من البطارية يحتوي على مواد سامة مسرطنة مثل الرصاص ومشتقاته، بجانب مدبغة أفروتان التي تسكب جميع مخلفاتها في العراء وبالقرب من مساكن المواطنين، مما جعل الروائح النتنة تسيطر على جميع أنحاء المناطق المجاورة للمدبغة. والمثير في الأمر أن السلطات فشلت في إيقاف تلك المصانع والأفران الأجنبية التي تعمل بطريقة عشوائية، بل أضيفت لها مصانع أسمنت أخرى ساعدت في تلوث البيئة وتسببت في تفشي حساسيات وبعض الأمراض الجلدية المزمنة بين ساكني المنطقة، وعلى الرغم من أن وزارة البيئة قد أعلنت في وقت سابق إغلاق تلك الأفران، إلا أنها مازالت تعمل بصورة خافية في أوقات متأخرة من الليل وبصورة يومية، حسب ما ذكره المواطنون الذين التقيتهم خلال جولتي الاستطلاعية في المنطقة.

(مصادر) كانت هناك لتقصي حقيقة الأمر بعد أن وردت شكاوى متعددة من قبل المواطنين حول التلوث البيئي وانتشار الأمراض وخرجت بالمثير الخطر.

 

الطريق إلى الباقير

ذهبنا إلى هناك لتقصي حقيقة تضرر المواطنين من تلك المصانع بعد أن وردتنا كثير من الشكاوى من قبل ساكني المنطقة، تتركز في وجود حالات وفيات جراء الحساسيات التي سببتها سموم مخلفات المدبغة التي تُسكب في العراء من دون أي نوع من المعالجات المسبقة، الأمر الذي جعل بعض المواطنين الذين يقطنون بالقرب من المدبغة يغادرون منازلهم خشية الأمراض التي تفشت مؤخراً مثل (الرمد الربيعي والالتهاب الرئوي) بالإضافة إلى الأمراض الجلدية والدسنتاريا.

أمراض مزمنة

وعند وصولنا إلى منطقة الباقير بعد معاناة طويلة قاربت الساعتين، كان لا بد لنا أن نأخذ قسطاً من الراحة نسبة لطول الطريق، وبالفعل جلسنا داخل إحدى الكافتريات الموجودة وسط السوق، وبينما كنا جلوساً داخل الكافتريا نتناول وجبة الفطور، أتت إحدى النساء ومعها زوجها وبرفقتهما طفل صغير يتراوح عمره ما بين (6-7) أعوام، هزيل الجسم تبدو عليه علامات الأرق والتعب، تنتشر في جميع أنحاء جسده الهزيل بقع صغيرة متفرقة حتى وجهه لم يسلم من ذلك الطفح الجلدي المزمن، جلسوا في الطاولة الخلفية من مجلسنا وبمجرد أن رآهم عامل الكافتريا أتى إليهم مهرولاً، وقال لهم (حمداً الله على السلامة)، عندها أدركت أنهم جاءوا من رحلة استشفاء لذلك عاجلتهم بسؤال عن الطفح الذي كان بجسد الطفل، أخطرتني والدته أن هذا الطفح نتيجة مخلفات المدبغة ومصنع الأسمنت، بالإضافة إلى مخلفات بعض الشركات التي تعمل هناك بالقرب من منازلهم، وأنهم الآن قادمون من الخرطوم بعد رحلة علاج طويلة قاربت على الشهر ونصفه.

والتقينا في الكافتريا بمجموعة كبيرة من المواطنين الذين اشتكوا مر الشكوى من مدبغة أفروتان وقالوا إن هناك حالات وفيات كثيرة جداً بصورة شبه يومية، وطفح جلدي بسبب المخلفات، بجانب تكاثر البعوض والذباب وبعض الحشرات الضارة.

 

مشهد أول..

بعد أن فرغت من حديثي مع المواطنين الذين التقيتهم داخل وخارج الكافتريا والوقوف على تلك الحالة النادرة، كان لا بد لنا التوجه نحو المدبغة والتأكد مما ذكره المواطنون، وبالفعل توجهت صوب المدبغة، وعندما وصلنا إلى منتصف الطريق ضلت العربة التي كانت تقلنا طريقها إلى المدبغة إلا أن الرياح كانت رسولاً صادقاً لإيصالنا إلى المدبغة، وذلك لأن الرياح جلبت لنا الروائح النتنة، عندها أدركت تماماً أننا قد اقتربنا منها نسبة لزيادة الروائح وتكاثر الذباب، وبالفعل وصلنا إلى المدبغة، وقد أدهشني كثيراً منظر بقايا ومخلفات (الجلود) والمياه النتنة التي استخدمت في المدبغة وهي مسكوبة على الأرض بصورة مزرية، وما زالت هناك كميات أخرى أكبر من التي سُكبت في طريقها إلى المجرى عبر (خرطوش) موصل من المصنع إلى المجرى مباشرة وبدون أي معالجات مسبقة وأمام منازل المواطنين، مما جعل المنطقة مرتعاً للذباب والبعوض بالإضافة إلى (الديدان) الصغيرة التي تسللت إلى منازل المواطنين عن طريق المجرى والهواء والصور خير برهان.

الخطر الداهم

تنتج المدابغ مواد كيميائية ضارة بالبيئة وصحة الإنسان، وأن بعضها في السودان لا تلتزم بمعالجة التأثيرات السالبة على الإنسان والبيئة، ومن الممكن أن يمتد تأثيرها إلى العاملين داخلها، وذلك بتفشي الأمراض الجلدية والصدرية، فمادة الكروم المستخدمة تؤثر على البيئة وتلوث المياه الجوفية وتسبب العقم والإجهاض، وهناك مواد أخرى ضارة وقاتلة تستخدم في المدابغ، وتعكس أثرها السلبي على المواطن مثل مادة (التيتانيوم المشعة والزرنيخ والسلفر برومايد)، جميع هذه المواد المستخدمة مسرطنة إلا أن الجهات المختصة تجهل أو تتجاهل هؤلاء الذين يتلاعبون بحياة المواطنين.

مر الشكوى

أجمع المواطنون الذين التقيتهم على تضررهم التام من قيام المدبغة وسط مساكن المواطنين مسببة أمراضاً مستعصية مثل الحساسيات والربو وبعض الالتهابات المزمنة التي توفى إثرها كثير من الأطفال.

وقال المواطن سيف الدين حسين إنه يسكن بالمنطقة منذ العام (1992)، وإنهم يعانون منذ ذلك الوقت من مخلفات المصانع، وبعد قيام المدبغة ازدادت معاناتنا لأن عمال المصنع يسكبون بقاياهم وسط الحي وفي العراء، حتى المجاري التي تسكب فيها تلك النفايات غير عميقة كي تخفي الروائح النتنة والقاتلة، مما أدى إلى تفشي الملاريا والحساسيات، بجانب الإسهالات بأنواعها المختلفة وسط المواطنين، وعندما تفاقمت الأوضاع ذهبنا إلى صاحب المدبغة وأخطرناه بالأضرار التي لحقت بنا جراء قيام مصنعه وسط المنطقة، إلا أنه لم يهتم لطلبنا، وقال إنه ليس لديه القدرة لمغادرة المكان إلا بإخطار رسمي من قبل الجهات المختصة، وأضاف أن معاناتهم تزداد سوءاً في مطلع شهر يوليو، لأن الرياح في ذلك الشهر تغير مسارها، فيعكس الهواء الروائح النتنة لدرجة جعلت جميع المواطنين يستخدمون حطب الطلح للوقاية من الروائح الكريهة والذباب الذي اكتسح منازلهم منذ سنوات طويلة.

هواء ملوث

وبينما كنت أتجول في الأحياء وبين المصانع شاهدنا دخاناً كثيفاً كاد يصيب البعض بالاختناق، ينبعث من أحد المصانع، فذهبنا إلى حيث الدخان، فإذا بمادة غير معروفة تُحرق في العراء وسط ميدان داخل أحد الأحياء، علمنا مؤخراً من أحد ساكني الحي أن هذه المادة عبارة عن أحد مخلفات الأفران البلدية التي تحرق جميع مشتقاتها في العراء.

تحقيق: عرفة خواجة

الخرطوم: (صحيفة مصادر)

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.