الرئيسية الغُلُوُّ والتَّطَرُّف.. حدود المفهوم وضوابطه ـ 3

الغُلُوُّ والتَّطَرُّف.. حدود المفهوم وضوابطه ـ 3

يورد د.عصام البشير اليوم بقية حديثه عن الغُلُوُّ والتَّطَرُّف.. حدود المفهوم وضوابطه ويقول حول الموضوع ما يلي:

والسبب أنهم أخذوا بظاهر نصوص دون فحواها ومقاصدها من غير أن يرجعوا إلى كبار الصحابة وعلمائهم، حتى أن أحدهم وجد امرأة حاملاً فبقر بطنها واستخرج الجنين وذبح المرأة ومنهم من طُعن فأدخل السيف في بطنه استعجالاً للموت وقال: “وعجلت إليك رب لترضى” (سورة طه، الآية: 84) واعتبر أن فعله هذا قربة لله.. وحتى واصل بن عطاء؛ زعيم مذهب الاعتزال، حين أراد أن يجتاز دورهم ما استطاع أن يخرج من ديارهم إلا بعد أن أنكر نسبته للإسلام، فقد قال: “لو قلت مسلماً سفكوا دمي”، قالوا: ما شأنك؟ فرد: “مشرك مستجير”، فقالوا: “وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه” (سورة التوبة، الآية: 6)، فهذا التيار تيار قديم بدأ بطابع عقائدي، ثم من بعد ذلك أصبح كياناً سياسياً وتفرّق بعد ذلك إلى مذاهب.

الخوارج تيار بدأ سياسياً أم عقائدياً؟

الموقف في البداية كان سياسياً، ولكن الرؤية التي انطلقوا منها كانت عقائدية “إن الحكم إلا لله” (سورة يوسف، الآية: 40).

ــ هذا يعني أن على صعيد الأفكار صلة وثيقة جداً بين الخوارج قديماً والتيارات الحالية؟

نعم، الخوارج الجدد، أو خوارج العصر، لأنه نفس منطق التفكير، وشدة العبادة، والحمية للجهاد في سبيل الله على حسب فهمهم، ولكنهم لم يأخذوا العلم بالطريقة الشرعية، وهنالك استخفاف بآراء الآخرين واعتبارها تساهلاً وتمييعاً للدين، وأن طريقهم هو الأقرب إلى الجنة، فهناك تشابه كثير بين الصورة قديماً والصورة حديثاً، وهذا هو التشابه الثاني.

ــ هل يمكن أن يكون سلوكاً دون عقيدة؟

أصلاً التطرف في اللغة جاء في عالم الماديات والحسيات، يقال تطرف في مشيه، وتطرف في مجلسه، وتطرف في كذا، ثم انتقل بعد ذلك (إلى المعنويات) وقالوا هذا تطرف في سلوكه، تطرف في فكره، تطرف في دينه تطرف في انتمائه، فالتطرف بدأ في عالم الحسيات ثم انتقل الى عالم المعنويات، ولذلك يمكن أن يكون هنالك تطرف سلوكي، ويمكن أن يكون هنالك تطرف عقدي، ويمكن أن يكونا معاً.

نعني بالإمكان أن يكون الشخص لا إشكال عنده في أمر العقيدة، ولكن له خيارات فقهية معينة متمسك بها ويأتي إلى المسجد يحاول أن يلزم الناس بها ويرفع صوته ويشق صف المسلمين في المسجد، لأنه يعتبر ذلك الحق المطلق، وما عداه هو الباطل المطلق، فهذا تطرف ولكنه تطرف سلوكي في جانب الفرعيات في الدين.. هنالك تطرف يكفر الآخرين وإذا كفرهم استحل دماءهم، وإذا استحل دماءهم قتلهم، وهذا ينطلق من منطلق عقدي، وقد يجمع الإنسان بين الأمرين: بأن يكون متطرفاً عقدياً ومتطرفاً سلوكياً.

ــ هل من سمات مشتركة بين هذه التيارات قديماً وحديثاً؟

نعم. وكما قلت ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صفاتهم وقال للصحابة: “تحقرون صلاتكم مع صلاتكم”، يعني فيهم وجه من التعبد شديد، وهذا الذي يلبس على الناس، فالناس إن رأت أحدهم شديد التدين يعتبرون أن هذا التدين علامة على الصحة، سواء كان هذا التدين مقترناً بعلم صحيح من عدمه.. وابن عباس حين رآهم قال: “رأيت جباهاً قرحت لطول السجود وأيدياً كثفنات الإبل” من كثرة الصلاة والعبادة.. كان فيهم شدة عبادة، واعتقاد أنهم على الحق المطلق، كما كان الخوارج يقولون، وقال لي أحدهم وهو من جماعة التكفير: كنا نقول في دعائنا: “اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض”، وذلك سوء ظن بجميع المسلمين، وحسن ظن بجماعتهم.

التشابه الثالث مسألة الأخذ بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني أخذ الحق بالقوة بصرف النظر عن اعتبار المآلات التي يؤول إليها الفعل وتترتب عليه.

التشابه الرابع أنهم لم يأخذوا العلم الشرعي عن أصوله وعن مصادره وعن رجاله، لأن القرآن يقول ” وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ” (سورة النساء، الآية: 83) وأيضا: “فاسأل به خبيرا” (سورة الفرقان، الآية: 59) و” فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (سورة النحل، الآية: 43)، فهم أيضاً عاطلون عن الرجوع إلى أهل العلم يتصدون للإفتاء.. ولذلك لما واجهوا سيدنا علياً رضي الله عنه سألهم: لماذا؟ ردوا: أنت حكمت الرجال في دين الله والله تعالى يقول: “إن الحكم إلا لله” (سورة يوسف، الآية: 40)، الإمام علي قال: “كلمة حق أريد بها باطل”.

المسألة الثانية؛ قالوا له: قاتل ولم يسب النساء، قال لهم: أترضون من علي أن يسبي أم المؤمنين عائشة؟ فإن قلتم عائشة تسبى فنستحل منها كما نستحل من السبايا فقد كفرتم، وإن قلتم عائشة ليست بأمنا فقد كفرتم فإن الله يقول: “وأزواجه أمهاتهم” (سورة الأحزاب، الآية: 6). قالوا: أما هذه فقد خرجت منها.

المسألة الثالثة: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فإن لم يكن كذلك فهو أمير الكافرين، فقال لهم: أنسيتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية محا كلمة “رسول الله”؟ أليس هو برسول الله؟. فرجع حوالي ألفين من الخوارج، وبقي من بقي على ضلالته.

كشف هذا عن مستوى حالة العلم الشرعي أو التمسك بظواهر النصوص وعدم المعرفة بفحواها ومقاصدها والرجوع إلى الراسخين من أهل العلم، وفي مثل هذا يقع الضلال، قال البخاري: “باب العلم قبل القول والعمل لقوله تعالى: ” فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) (سورة محمد، الآية: 19).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.