الرئيسية بنايات الخرطوم المهجورة.. حكايا التاريخ والغموض والذكريات

بنايات الخرطوم المهجورة.. حكايا التاريخ والغموض والذكريات

للمباني المهجورة وسط العاصمة السودانية الخرطوم قصص حولتها إلى موائل للغموض وخيط رفيع من الذكريات عن المدينة القديمة قبل أن تتريف جراء هجرات أتخمت أطرافها المثلثة.   

وتحتل مبان عتيقة لا يسكنها إلا الصدى مواقع مميزة وسط الخرطوم الذي تفوق أسعار العقارات فيه أغلى عواصم العالم، لكن ثمة مشاكل أحالت هذه البنايات إلى مجرد أوكار.

 

مجد الستينيات

وعندما يروي كشة عبد السلام للجزيرة نت عن المجد الذي عاشه فندق الواحة القريب من منزله بالخرطوم شرق، كان كمن يتخيل قاطني الحي القدامى من الشوام والأغاريق (اليونانيين) في ستينيات القرن الماضي.

والمبنى – الذي تحول إلى فندق الواحة جراء سياسة التأميم التي طبقها الرئيس الأسبق جعفر نميري بداية السبعينيات – كان يستغله مالكه إيميل قرنفلي كاستراحة لموظفي الخطوط الجوية البريطانية من المضيفات وكباتن الطائرات.

يقاوم النسيان

لكن المبنى لم يتبق منه سوى لافتة حديدية وأخرى خشبية تقاوم النسيان على بوابته الجنوبية، أما المسبح فقد تحول إلى مكب للأنقاض بينما اعتلت سطحه بترف أنابيب التكييف المركزي.

ويحكي المبنى عن تقلب الأنظمة السياسية أكثر من كونه استراحة كانت تضج بالمضيفات الإنجليزيات، وهن يقضين نهار الخرطوم القائظ على مراتب عائمة في المسبح كما يتذكر كشة.

وتعرض المبنى للمصادرة بفعل قرارات التأميم، وتحول إلى فندق باسم “الخيام” ثم لاحقا عدل نميري عن قراراته وأعاد الأملاك المصادرة فعاد مالكه قرنفلي من لندن وأسماه فندق الواحة.

قبلة الشخصيات

ويروي كشة أن أبرز المترددين على فندق الواحة محمد أحمد محجوب السياسي الشهير، وعبد الخالق محجوب أحد أبرز قيادات الحزب الشيوعي والذي أعدمه نميري في يوليو/تموز 1971.

ويقول المواطن -وهو بالعقد السادس من عمره- إن هجرة الملاك وقاطني المكان من الجاليات تسببت في تحول الفندق إلى مبنى مهجور، رغم أن فناءه يضم مسبحا بمدينة تعاني من قلة المسابح.

ثم يستدعي كشة ذاكرته وهو يجلس على أريكة أمام منزله بالخرطوم شرق ويؤشر بيده “في ذلك البيت الناصية كان يسكن ديمتري برفاتوس، وبجواره كونتو مخالوص من الأغاريق. أما هناك فكان يسكن شاشاتي وفتح الله سكياس من الشوام”.

دهاليز “البوستة”

وعلى شارع الجامعة يطل مبنى البريد والبرق المشيد من الحجر الرملي بدايات القرن الماضي بطراز فيكتوري يحكي سطوة المستعمر الإنجليزي، لكنه كما جبل الجليد تمتد أسفله سراديب لم يغشاها الناس منذ عقود تصله بالقصر الجمهوري القديم وشاطئ النيل.

ويستنتج عبد الحميد محمد أحمد (البالغ 60 عاما) أن الدهاليز التي شيدها الإنجليز الغرض منها أن تكون مخارج للهروب الآمن لرجال الدولة من واقع تجربة مريرة عاشها الجنرال الإنجليزي غردون باشا بقطع رأسه على يد أنصار الثائر محمد أحمد المهدي عام 1885 على درج سرايا القصر.

وربما كانت مياه الأمطار وهي في طريقها للتصريف في النيل الأزرق الأدرى بدهاليز مبنى “البوستة” بحسب عبد الحميد الذي يؤكد للجزيرة نت أن مصارف الأمطار ترتبط حتى الآن بهذه السراديب المظلمة.

فرادة التصميم

والمبنى المكون من طبقتين والممتد لنحو 80 مترا على شارع الجامعة لا يشعرك إلا بالرسوخ رغم هجرانه بعد حل هيئة البريد والبرق، ويعد من المباني الفريدة بالتصميم في السودان.

بيد أن جدرانه الصلدة كانت شاهدة على نفوذ لافت كان يتمتع به موظفو البريد والبرق بالمجتمع وقيادتهم للحركة الوطنية التي قادت البلاد للاستقلال.

ويقول عبد الحميد -الذي يبيع الكتب على الرصيف وسط الخرطوم- إن موظفي البوستة المنخرطين في مناهضة المستعمر استفادوا من تقنية التلغراف في التواصل بين خلايا الحركة الوطنية بأصقاع البلاد عبر انتشار مكاتب البريد والبرق في 178 مدينة وقرية.

قبلة الأدباء

ويذكر كل من ثابت عبد الرحيم وعبيد عبد النور اللذين شكلا نواة ثورة اللواء الأبيض 1924 بقيادة علي عبد اللطيف، كما كان المبنى يضج بالفنانين والشعراء مثل مصطفى سند وصلاح مصطفى.

وتوقفت تحسينات على المبنى العام الماضي بعد تدخل هيئة المتاحف والآثار، وتأكيدها أنه وغيره من المباني الأثرية محمية بقانون حماية الآثار لعام 1999 لرمزيتها التاريخية وتفردها المعماري.

جريمة

ووسط الخرطوم بين الجامع الكبير والسوق الأفرنجي تزاحم عمارة فندق “أراك” -المشيدة من ثمانية طوابق منذ سبعينيات القرن الماضي- البنايات الشاهقة التي ارتفعت إلى جوارها.

لكن الفندق الفخم الذي ظل محافظا على طلائه باللونين الأزرق والبني وشرفاته الزجاجية، كان كمن تسكنه أرواح شريرة، فبعد سنوات قليلة من تشغيله أغلق بسبب جريمة قتل لتاجر عملة عام 1987 إبان حكومة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي.

تجار العملة

ومن المفارقات أن المكان أسفل الفندق ما زال حتى الآن مرتعا لتجار العملة، ترى فيهم قصة التاجر القتيل الذي استدرج إلى إحدى غرف الفندق للسطو على دولاراته، لكن روحه ما تزال تخيم بين ردهات المبنى تبحث عن الجاني.

وغذّت الجريمة روايات بأن الجن يسكنون المبنى المهجور، بيد أن المؤكد أنه الحمام الذي اتخذ من شرفات الفندق المهجور مسكنا للتوالد.

ويعود عبد الحميد بذاكرته إلى بداية تشغيل “هوتيل أراك” أواخر السبعينيات، قائلا إن طرازه كان حديثا مقارنة بفنادق تلك الحقبة مثل الأكروبول وفندق السودان والفندق الكبير، كما أن موقعه المميز وسط البلد جعل منه قبلة لكبار موظفي الدولة والمصرفيين.

أما كشة فيقول إن جريمة مقتل تاجر العملة على يد أحد نزلاء الفندق عجلت بإغلاقه، ومن الغرائب أنه تم توقيف القاتل في نفس اليوم الذي حجز فيه لمغادرة البلاد إلى الهند.

وغير بعيد من فندق أراك وعلى شارع الجمهورية، ما زالت سرايا عبد الرحمن المهدي بطرازها العريق تقاوم وهي خاوية بعد أن انتقلت منها دار الوثائق القومية إلى مبنى حديث.

طراز السرايات

وبحسب الباحث مصعب الصاوي فإن المبنى يعود إلى طراز السرايات المصرية المعتمد على الأعمدة والطوب “الستاتة” وأبواب خشبية كبيرة إلى جانب حديقة تمثل 50% من المساحة.

ويشير الصاوي إلى أن المبنى لديه قيمة ثقافية وتاريخية، وحافظ على التراث السوداني حيث أنشأ الإنجليز محفوظات السودان على غرار محفوظات بريطانيا لحفظ تقارير عن المناطق والسكان.

والمبنى -الذي طالته يد الإهمال من خلال تهدم أجزاء منه ويباس حديقته- يتوقف مصيره على الورثة، إذ إنه كان يتبع لدائرة المهدي التي تدير النشاط التجاري والاقتصادي لعبد الرحمن المهدي.

 

تحقيق: أحمد فضل

الخرطوم: (صحيفة التيار)

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.