الرئيسية متهمة تغني وترقص أمام القاضي ومعاق يدخل القاعة زحفاً

متهمة تغني وترقص أمام القاضي ومعاق يدخل القاعة زحفاً

توسطت سيدات متهمات كن يقفن في انتظار فتح بوابة قاعة المحكمة، جميعهن يفكرن في ما يؤول إليه مصيرهن بعد دقائق معدودة داخل القاعة.

السيدة تبدو في عقدها الخامس كانت تقف وهي ضجرة، يتأرجح ثباتها تارة وأخرى تبدو على ما يرام، تحكم ربط ثوبها جيداً، تقف في انتظار نيلها عقوبة جريرتها من (تصنيع العرقي)، بعد أن داهمتها (كشة) لشرطة النظام العام، لوح الشرطي إيذاناً بدخول القاعة، بدأت المتهمات يصطففن للدخول، اتخذت السيدة مكاناً جانبياً في قفص الاتهام، وأطلقت همهمات بلغة استعصى على القاضي وبقية الحضور فهمها عدا ثلاث نساء أخريات بدأن الضحك، لم تمض ثوان حتى تلت تلك الهمهمات أصوات أخرى من الضحك المتتالي والتصفيق وبعض الغناء الذي بات غير مفهوم، ورقصات لم يستطع أحد منع ضحكاته من الخروج، دقائق معدودة حتى صارت قاعة المحكمة مسرحاً علت خشبته تلك السيدة التي أدت مشهد الجنون ببراعة فائقة دفعت بالقاضي لإطلاق سراحها والاكتفاء بتحذيرها من تكرار جريمتها.

أداء مسرحي!

المشهد أعلاه وصفه فريق التحري الذي ضبطها تصنع الخمور البلدية بأنه مجرد تمثيلية مع ادعاء الجنون للإفلات من عقاب القضائي.

مشهد ثانٍ

رسم ابتسامة عريضة في وجوه الجميع عند دخوله للقاعة، ابتسامته توازي ذاك الذي بصدد الدخول على عرشه، بيد أن القيود التي تكبل يديه والطريقة التي يقوده بها الحاجب ليوصله إلى فصل الاتهام تجعل منه متهماً لا يبالي بفعلته، والدته انتصبت أمام القاضي، عيناها مليئة بالدموع، تصارع الألم وهي بين ابن قاتل وآخر مقتول، أي هي والدة المتهم والضحية في آن واحد.

القاضي خيرها وابنيها اللذين رافقاها للمحكمة بين حقهم في العفو أو القصاص، لأنه وصل للقرار النهائي، في وقت لم يبد ابنها المتهم شعوراً ولم تعثر وجهه علامات الخوف أو الرعب من القرار، كان جامداً دون حراك وكأنما ينتظر الموت أو اللانهاية، وقبل أن تجيب الوالدة التقط أحد ابنيها القفاز ورد بأنهم عفوا عنه ولا يريدون منه قصاصاً ولا دية، وقبل أن يختم حديثه وضح أن قرارهم هذا مشروط بأن يكبت شقيقهم المتهم تعهداً بواسطة المحكمة بعدم التعرض لهم أو العودة إلى منزلهم بعد خروجه من السجن، هذا ما أيده شقيقه الآخر، لكن والدتهم كانت صامتة لبرهة من الزمن، تقف شاردة الذهن، مكسورة الخاطر، يبدو أن نزاعاً حاداً يدور بين عقلها وقلبها، تارة تشرع في الحديث، لكنها سرعان ما تصمت، ولم تصمد طويلاً حتى كسرت حاجز الصمت وأيدت قرار ابنيها وقالت بصوت أجش: عفوت عن حقي ولكن لا أريد عودته إلى المنزل فقد تأذينا منه كثيراً وكانت آخر أذيته لنا قتله لشقيقه.

القاضي طالب أولياء الدم بإبراز أوراقهم الثبوتية وما هي إلا دقائق أعلن بعدها قراراً قضى بسجن المتهم خمس سنوات، لحظتها أمطرت والدته دموعاً بللت ثوبها، إلى هذه اللحظة لم يظهر المتهم تعبيراً وكأنه فقد علامات الحياة، لم يستطع أحد التفريق بين إن كان ذلك ندماً أو كبرياء.

مشهد ثالث

معاق حركياً متهم بالسرقة حسب صحيفته الجنائية فإنه متخصص في كسر أقفال المتاجر أحضرته الشرطة إلى المحكمة ونزل من سيارتها يتوكأ على عصاة المعاقين ويستند على أحدهم، كان عادياً قبل موعد انطلاقة محاكمته، يتوسط الجنود في باحة المحكمة، وما أن أعلن للدخول إلى قاعة المحكمة إلا وجلس على الأرض ورفض القيام أو المساعدة من أفراد الشرطة لإدخاله، المتهم بدأ يزحف بطريقة درامية أضحكت الجميع بما فيهم رجال الشرطة، ومضى في هذا الزحف حتى وصل إلى منتصف قاعة المحكمة، ولم يقف المتهم عند هذا الحال بل خاطب القاضي بلغة غير مفهومة ما استدعى تدخل أحد أفراد الشرطة وفضح أمره أمام القاضي موضحاً أن المتهم يستطيع السير والحديث بطريقة جيدة.

أخيراً

ثمة ادعاءات يجسدها المتهمون داخل قاعات المحاكم، وبين مكاتب وحراسات الشرطة، بعضهم يجيد التمثيل وتفصيل أدوارها وطريقة إخراجها لدرجة تظن أن خلفه مخرجاً مسرحياً، والبعض الآخر ينفذها باضطراب خال من الحبكة الجيدة فتكون خدعته مكشوفة منذ بدايتها وهذا النوع لا يصمد فيقر ويعترف بما اقترفت يداه، أما النوع الأول فيصمد حتى تنكشف خديعته بإحالته للمصحة.

بين هذا وذاك، تنعم البلاد بقضاء فاحص ويقظ لا تنطلي عليه ادعاءات الجنون أو التمثيل خصوصاً في الجرائم أو القضايا الكبيرة.

تقرير: خولة حاتم

الخرطوم: (صحيفة السوداني)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.